الشريف الرضي
240
المجازات النبوية
( أحدهما ) : أن يكون إنما شبهه بالسهم من سهامه ، لان الأب سبب نشئة وتربيته ، وولى تثقيفه وتأويله ، كما أن النابل ( 1 ) بارى السهم ورائشه ( 2 ) ، ومثقفه ومقومه . ( والوجه الآخر ) : أن يكون المراد أنه بمنزلة السهم في كنانته من حيث كان في حصنه ، وحاصلا تحت ضبنه ( 3 ) ، وأنه متى شاء صرفه في آرائه ، كما أن صاحب السهم متى شاء رمى به في أغراضه ( 4 ) . ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام : " أردد على ابنك " أي استرجع ما فرقه من ماله في وجوه التبذير ومظان التبديد ، فرده إلى ملكه استظهارا له ، وإشبالا ( 5 ) له ، إذ ليس له أن يفتات عليك بمال ، ولا يعصيك في حال ( 6 ) .
--> ( 1 ) النابل : صانع النبل وهو السهم ، وهو قطعة من خشب لها رأس مدبب في آخرها نصل ، ومعنى بارى السهم الذي يبريه : أي يدبب رأسه ويضع فيها النصل . ( 2 ) رائش السهم : الذي يضع فيه الريش ، وكان العرب يضعون في السهام ريشا حتى يكون ذلك أسرع لوصولها إلى الغرض ، لان الهواء يدخل في الريش فيحمل السهم فيسرع به إلى غرضه كما يدخل الهواء في شراع السفينة فيدفعها في سيرها ، ومثقفه هو مقومه ومعدله ، لان الخشب الذي تصنع منه السهام قد يكون فيه عوج أو نتوء فيثقفه النبال ويقومه . ( 3 ) الضبن بكسر الضاد وفتحها مع سكون الباء هنا : المكان الذي يغطيه العضد من الذراع : لان كنانة السهام يضعها الرامي في هذا المكان . ( 4 ) الأولى أن يراد أن الولد سهم من كنانة أبيه وأنه قوة له ، كما أن السهم قوة لصاحبه وراميه يدافع به عن نفسه ويردى به عدوه كما سبق أن بينا ذلك . ( 5 ) استظهارا له : أي تقوية الابن قوة للأب ، والأشبال : العطف والإعانة . ( 6 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الابن بالسهم من كنانة الأب ، في أن صاحبه يصرفه كيف يشاء ، أو في أن السهم قوة لصاحبه ، كما أن الولد قوة لأبيه ، وحذف وجه الشبه والأداة .